بن عيسى باطاهر
44
المقابلة في القرآن الكريم
قد يتسرب إلى فطرهم من فساد وضلال ، ومن هنا جاءت الأدلة ، وسيقت الحجج والبراهين لإقناع العقول ، وطمأنة الضمائر على أنّ النقص ، واستمداد الحاجة من الغير صفات تنفي الألوهية عن هذه الآلهة ، وأن التعدد يقتضي الفساد في الكون أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ( 21 ) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الأنبياء : 21 ، 22 ] ، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً [ الفرقان : 3 ] . أما المحور الثاني الذي يتعلق بإثبات الوحدانية ، فقد ركّز المنهج القرآني عليه تركيزا كبيرا باعتباره الجانب المهم في العقيدة الإسلامية ، وقد استبحرت الآيات القرآنية في الحديث عن اللّه تعالى وصفاته وأفعاله وخصائصه ، وعرّفت الناس بالإله الحق ، وأنّه ليس كمثله شيء ، وأنّه واحد لا شريك له ، فرد لا مثيل له ، صمد لا ضد له لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [ طه : 6 ] ، وأنّ هذا العالم بكامله فقير إليه تعالى « 1 » . 5 - عرض الوحدانية من خلال مظاهر الخلق والتدبير : للقرآن الكريم طريقته الخاصة في عرض قضية الوحدانية ، وقضايا العقيدة جميعها ، وهي طريقة تختلف اختلافا كبيرا عن طرق البشر ، وبخاصة الفلاسفة وأهل الكلام ممن عنوا بالبحث في مثل هذه القضايا دهرا طويلا ، فلم يصلوا بالناس إلى نتيجة حاسمة تبيّن هذه الحقائق بل إنّهم أوجدوا تعقيدا وتناقضا بدخولهم في متاهات الغيب ، ومزالق الفكر ، قال الفخر الرازي ( - 606 ه ) - وهو إمام المتكلمين - : « لقد اختبرت الطرق الكلامية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم ، لأنّه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية للّه تعالى » « 2 » .
--> ( 1 ) محمد الغزالي - المحاور الخمسة في القرآن الكريم - ط 1 دار الوفاء : القاهرة 1989 ص 24 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي - ج 1 ( المقدمة ) م .